ابن أبي الحديد
84
شرح نهج البلاغة
وأمسك عن هذا القول قبل أن يشيع ويظهر عنك قول لا تستطيع رده ، فقال : لا والله لا أسره أبدا . ثم قام فتكلم به ، فقال الناس : صدق صدق ! القول ما قال ، والرأي ما رأى . فأيس جرير عند ذلك من معاوية ومن عوام أهل الشام . * * * قال نصر : ( 1 ) وحدثني محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني ، قال : كان معاوية قد أتى جريرا قبل ذلك في منزله ، فقال له : يا جرير ، إني قد رأيت رأيا ، قال : هاته ، قال : اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام ومصر جباية ، فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده في عنقي بيعة ، وأسلم له هذا الامر ، وأكتب إليه بالخلافة . فقال جرير : اكتب ما أردت أكتب معك ( 2 ) . فكتب معاوية بذلك إلى علي ، فكتب علي عليه السلام إلى جرير : أما بعد ، فإنما أراد معاوية ألا يكون لي في عنقه بيعة ، وأن يختار من أمره ما أحب ، وأراد أن يريثك ويبطئك حتى يذوق أهل الشام ، وإن المغيرة بن شعبة قد كان أشار على أن أستعمل معاوية على الشام ، وأنا حينئذ بالمدينة ، فأبيت ذلك عليه ، ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا ، فإن بايعك الرجل ، وإلا فأقبل والسلام . * * * قال نصر : وفشا ( 3 ) كتاب معاوية في العرب ، فبعث إليه الوليد بن عقبة : معاوي إن الشام شامك فاعتصم * بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا وحام عليها بالصوارم والقنا * ولا تك موهون الذراعين وانيا ( 4 ) وإن عليا ناظر ما تجيبه * فأهد له حربا تشيب النواصيا
--> ( 1 ) وقعة صفين 58 . ( 2 ) صفين : ( اكتب بما أردت وأكتب معك ) . ( 3 ) صفين 59 ، 60 . ( 4 ) صفين : ( بالقنابل . . . محشوش الذراعين ) .